المنجي بوسنينة
580
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
لطلبته ، ومع هذا كان يقرض الشعر ، ومن ثم كان ذا ذوق أدبي ، وكان يتردّد عليه الأولياء لاستفساره وذوو الحاجات لمساعدتهم ، ممّا يدل على حرمته لدى المسؤولين وذوي الجاه . وتخرّج في مدرسته كثير من علماء الصوفية ، منهم : الفقيه محمد بن إبراهيم الأنصاري ، والفقيه أبو محمد عبد الخالق التونسي ، ومحمد بن أحمد القرشي ، وعبد الرحيم بن حجون المغربي ، وحسن بن محمد الغافقي الصواف ، وأبو محمد بن إبراهيم الجزولي ، وفاطمة الأندلسية ، وغيرهم . وتذكر الروايات أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ( ت 638 ه ) التقى به ولازمه فترة ينتفع فيها بإرشاده ، وتحمل مؤلفات ابن عربي حقيقة عبارات الإجلال والعرفان لهذا الشيخ الجليل الذي كان يلقبه ابن عربي ب « شيخ الشيوخ » . و « نشر الله ذكره ، وطبقت شهرته الآفاق ، وهرع إليه المريدون من أقصى البلاد مجذوبين إلى ما ذاع عنه من بركة وما سجل له من كرامة . وتخرج به جماعة من الفضلاء كأبي عبد الله القرشي وغيره ، وانتهى إليه كثير من العلماء المحقّقين وفضلاه الصالحين كابن عربي ، وله من الحقائق كلام واسع » . وذكره ابن التلمساني بقوله : « كان من أفراد الرجال ، وصدرا من صدور الأولياء والأبدال . جمع الله له بين الشريعة والحقيقة ، وأقام ركن الوجود ، هاديا وداعيا للحق » . وكالعهد بتعاليم الصوفية التي كانت تجرح أذواق المتعصّبين من الفقهاء ، كانت تعاليم أبي مدين التلمساني بالنسبة لفقهاء الموحّدين في بجاية ، فلم يرضهم أن تذيع شهرته هذ الذيوع أو أن يكثر زواره ومريدوه إلى هذا الحد ، فزيّنوا لسلطان الموحّدين « أبا يوسف يعقوب المنصور » محاكمته وامتحانه . وقد بعث السلطان في طلب أبي مدين إلى مراكش ، مع التلطّف في معاملته ، ليسأله ويناقشه بنفسه ، وتلقّى أبو مدين الأمر بطيب خاطر ، وطمأن أصحابه وتنبأ بقرب أجله ، وعاجلته المنية قبل أن يصل إلى السلطان . ويشير ابن العماد الحنبلي في كتابه « شذرات الذهب » إلى ذلك بقوله : « طلبه - لأبي مدين - سلطان المغرب فلما وصل إلى تلمسان ، قال : ما لنا والسلطان نزور الإخوان ، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهّد ، وقال : ها قد جئت ، ها قد جئت ، وعجلت إليك رب لترضى ، فمات . . وقد قارب الثمانين » . إذن ، توفّي أبو مدين التلمساني في سنة 594 ه وهو في طريقه إلى سلطان الموحّدين ، وكانت وفاته على بعد أميال قليلة من تلمسان . فدفن - كما أوصى - برباط ( جبانة ) ، العباد قرب المدينة ، ولا يزال قبره بهذا الرباط محجة للكثيرين من كل صوب . كما اعتبر أبو مدين بحق دليل تلمسان ، وازدهرت هذه المدينة ببركاته ، كما نمت مدينة « العباد » حول قبره ، وبنيت قبة على قبره ، وكلما جاء أمير أو ملك ممّن حكموا تلمسان أضاف إلى زخرفة قبره كثير من المنشئات الفخمة ، وقد بقي منها الجامع والمدرسة . تدور تعاليم أبي مدين التلمساني على محور واحد بعد إفراد الله بالحب والعبادة والعمل والذكر والتفكير واستشعار الامتلاء الكامل بحضرته وحده ، وقد رأى بعض الدارسين بحق أنّه يمكن اختصار هذه التعاليم في هذا